في
العراق
ليس
هناك شعبٌ عراقي
إن
هذا العنوان ليس من
تأليفي أو اختراعي,
فلن أدعي ذلك, إذ لست
أنا من يتبع هذه السبل,
فقد جاءت كلمات هذا
العنوان في آخر ما نطق
به الملك فيصل رحمه
الله, أول حاكم للعراق
الحديث في عهده
الملكي, ومع اندثار
هذا العهد ينتهي في
العراق كل معنىً من
معاني الوحدة
والتعايش السلمي,
فالتركيبة
الإجتماعية في العراق
بالغة التعقيد,
مكونات متناقضة شكلت
بوجودها في نفس
المحيط شعبًا يُرادُ
له أن يكون موحدًا,
تنتظرُ كل فئة منهم
الفرصة المناسبة
للإنقضاض على
الأخريات, أليس ما
يجري في العراق اليوم
هو أكبر دليل على ذلك؟
الملك
فيصل
قال
الملك فيصل قبل وفاته
رحمه الله: ( في
العراق ...... حتى الآن
ليس هناك شعب عراقي,
بل كتلٌ بشرية لا يمكن
تصورها, خالية من أي
مثل أعلى وطني ... ليس
لهم ارتباط عام, يسعون
للشر, ميالون للفوضى
السياسية, وجاهزون
دومًا للقيام ضد أي
حكومة كانت, من بين
هذه الكُتل نريد أن
نصوغ شعبًا ندربهُ
ونثقفهُ ونصقله ....
وفي مثل هذه الظروف لا
يمكن تخيل ضخامة
الجهود اللازمة لهذا
العمل )*(1)
تشكلت
دولة العراق بعد سقوط
الدولة العثمانية
التي كانت تسيطر على
معظم البلاد العربية
والإسلامية, إذ أنه
وبمجرد سقوط الدولة
العثمانية وسيطرة
بريطانيا على العراق,
وجدت بريطانيا نفسها
بين أمم من الناس لا
يربطهم أي رابط قوي,
حتى أن الدين
الإسلامي لم يكن
قادرًا في ذلك الوقت
على لم الصفوف, ذلك أن
الدين الذي هو منبع
الوحدة قد ينقلب إلى
أساس للتفرق إذا تفشت
في أوصاله الطائفية,
ذلك المرض الذي لا
تقوى بعده الأممُ على
النهوض.
وبعد
تحليل دقيق وطويل,
وجدت بريطانيا أن هذا
الشعب لا يمكن أن
يحكمهُ إلا شخصٌ يتفق
معظم العراقيين على
أهليته للحكم, وإذا
اختلف العراقيون في
كل شيء فإنهم لا يمكن
أن يختلفوا في محبة
السلالة الشريفة من
ذرية آل البيت
الحقيقيين, لذلك قامت
بريطانيا بتنصيب
الملك فيصل رحمه الله
ملكا على العراق بعد
استفاءٍ عام لاقى فيه
الملك فيصل كل القبول,
وإذا كان لكل دولة
عصرٌ ذهبي, فإن العصر
الذهبي في العراق هو
عهد الملك فيصل رحمه
الله, وبكل المقاييس
لن تجد عهدًا أروع من
عهده رحمهُ الله,
وبالرغم من أنني
مقتنعٌ بصلاحهِ, إلا
أنني أستغرب من الملك
فيصل رحمهُ الله
وقوفهُ ضد الدولة
العثمانية في ذات
الوقت الذي كانت فيه
الخلافة الإسلامية في
خطر عظيم وتلفظ
أنفاسها الأخيرة.
بدأ
العهد الملكي في
العراق في أغسطس عام
1921م, وانتهى بانقلاب
عام 1958م الذي كان أكثر
الإنقلابات دموية على
وجه الأرض, فقد قـُتلَ
من العائلة الحاكمة
كل النساء والأطفال
والشيوخ, وتم سحلهم
بالشوارع, وقـُطعت
أوصالهم وعُلقت على
عواميد الإنارة,
وبهذا الإنقلاب
الدموي يبدأ عهد جديد
في العراق, عهدٌ
تتوطدُ فيه أركان
الحكم بالقوة ولا شيء
غير القوة, فلماذا
ستحتاج الحكومة لفكر
معين أو أيدولوجيا في
حين أن بيدها القوة
التي لا يمكن الوقوف
بوجهها, وإذا كان هناك
البعض من الناس ممن
يستغربون الأساليب
التي كان يستخدمها
نظام صدام حسين في
العراق التي كانت
تقوم على أساس
التخويف فإن الباحث
عن الحقيقة يجد أن
نظام البعث في عهد
صدام حسين لم يكن إلا
نتيجة طبيعية لصراعات
طويلة كانت تستقر
فيها الأمور دائمًا
للأقوى وليس الأصلح.
إن
العراق الأمريكي
الجديد لا يمكن أن
يكون وجوده واستمراره
في صالح الأمة
الإسلامية أو العربية,
إذ هل من المعقول أن
تكون الولايات
المتحدة الأمريكية
بهذه الطيبة بحيث
تنفق كل هذه
المليارات دون الحصول
على نتائج, إن أهم
النتائج
الإستراتيجية التي
حصلت عليها الولايات
المتحدة هو تحجيم دور
المملكة العربية
السعودية أدامها الله
وجعلها ذخرًا للإسلام
والمسلمين, فالمملكة
العربية السعودية هي
الحصن الأخير الذي
تسعى الولايات
المتحدة لتحطيمه,
ولكن تحطيم المملكة
لن يكون عن طريق
المساس بها, بل بتحجيم
دورها الريادي في
العالم الإسلامي,
وإشغالها بجيران
خطرين, وجعلها تقبع
تحت حصار الحاجة إلى
الولايات المتحدة
الأمريكية لتأمين
أراضيها واستمرار
وجودها, وقد لا ينتبه
الكثيرون لهذه
الأهداف مما يسبب
عندنا التشويش الذي
يصيب الحكومات
والشعوب بشأن الأهداف
الأمريكية الحقيقية
وراء غزو العراق,
فجزيرة العرب وعلى
رأسها المملكة هي
الهدف الرئيس الذي
تسعى الولايات
المتحدة الأمريكية
لتحجيمه ومحاصرته.
مالذي
يحدث في العراق؟ ما كل
هذا الدمار؟ كيف
يستطيع المرء أن يحمل
كل هذا الحقد في صدره؟
عندما سقطت النازية
في عاد 1945م سادت معظم
المدن الألمانية
موجات كبيرة من تصفية
الحسابات, وهو أمر
طبيعي بعد سقوط الدول,
ولكن الذي يحدث في
العراق لا يمت لتصفية
الحسابات بأي صلة, بل
هو بلا شك إقتتال
طائفي شرس, لم يعهد له
التاريخ مثيلا, وإذا
كان بعض العراقيين
ينكرون حدوث الحرب
الطائفية فإن ذلك لا
يعني أن الحرب ليس لها
وجود, لأن أولئك
المنكرون ليسوا إلا
أطرافا رئيسية في هذه
الحرب, وإنكارهم هذا
ليس إلا تشويشا على
الأمة حتى يُتِموا
استئصال العنصر
المناوئ لهم.
لقد
نشأ الحقد الطائفي في
العراق منذ زمن بعيد,
ففي معظم أيام العراق
القديم كان السنة
يحظون بالتأييد
والدعم من قبل الدولة
العثمانية, وكان
الشيعة يحظون بدورهم
بالتأييد والدعم
الفارسي الصفوي, كما
أن معظم الشيعة
ينحدرون من أصلن
فارسي غير عربي, ولم
يُعرف زمن في العراق
عاشت فيه الطائفتان
بشكل سلمي إلا في عهد
صدام حسين, العصر الذي
تبلورت وترسخت فيه
مفاهيم القوة, وبعد
سقوط النظام بدا
وضحًا مكنون الصدور,
فالإعتداءات الشيعية
على أهل السنة لا يمكن
أن تكون عمليات
متفرقة أو فردية, فهي
تتم بشكل منظم يهدف
بشكل أساسي إلى تقليص
الأعداد السنية أو
تهجير السنة من
المناطق الحساسة أو
المهمة, ومخطئ من يظن
أن هذا الحقد ناتجٌ من
بطش نظام صدام السني
الإسم بالطائفة
الشيعية, فلو كان هذا
الإحتمال صحيحًا لكان
القتل يطال من كان من
رجال السلطة أو
توابعهم, ولكن العداء
الذي ذهب ضحيته
الآلاف من أبناء
السنة لم يكن مقتصرًا
على رموز النظام, بل
طال الأبرياء من
الشيوخ والأطفال
والنساء ورجال الدين
والمثقفين والمفكرين
والعلماء وغيرهم,
وإذا كان هؤلاء
المعتدين يدافعون عن
أنفسهم بذكر المذابح
الصدامية في جنوب
العراق على أبناء
الطائفة الشيعية,
فنقول لهم أن الحاكم
مهما بلغ عدله فإنه
يعمل كل ما يستطيع
للمحافظة على حكمه
بلا شك, والذي كان
يحدث في العراق بكل
بساطة أن أبناء
الطائفة الشيعية هم
من يشكل التهديد
الأكبر للنظام عن
طريق التعاون مع
الجار الإيراني
وتشكيل التنظيمات
السرية والعمل على
قلب نظام الحكم
بالثورات والتعاون مع
الأعداء فمن الطبيعي
إذا أن يكون أمثال
هؤلاء أصحاب النصيب
الأكبر من القمع ولا
يمكن لهم أن يستخدموا
هذا الأمر وكأنه
الظلم الكامل, فإذا
كان هذا ظلمًا فإن كل
الحكام ظالمون على
اختلاف أديانهم
وأجناسهم وأزمانهم.
إن
الشعب العراقي شعب
صعبُ المراس, لا يمكن
التعامل معهُ من
منطلق ثابت, فالذي
يرضى به الشيعة لا
يقبلهُ السنة, والذي
يفضله الأكراد ينكره
الشيعة, وفي أحوال
كهذه ينبغي أن يكون
الحاكم الناجح قويٌ
لا تستهويهِ الشعارات
الفارغة والعاطفية,
يعمل أكثر مما يقول,
لا يسمحُ بالأخطاء
الصغيرة حتى لا يُفكر
الناس بالأخطاء
الكبيرة, وإما أن يذوق
عدله الجميع, أو يذوق
ظلمه الجميع, يعمل من
اللحظة الأولى على
إنشاء هوية عراقية
واضحة, يستأصل بها كل
ما خلفتهُ سنون
الماضي من حقد قومي أو
طائفي.
*(1)
من كتاب مستقبل
العراق الذي اشترك في
كتابته ليام أندرسون
مع غاريث ستانسفيلد
بقلم
/ عبدالله مبارك
مواضيع
سابقة :
مايو
يونيو
يوليو
اغسطس
اكتوبر
نوفمبر
يناير