حيث لا ينفع الندم

أدولف آيخمان

في النصف الأول من القرن العشرين, وعندما كانت النازية في أوجها, وعندما علا صوت هتلر في أرجاء العالم وخفتت بعده جميع الأصوات, وفي أوكار الحزب النازي, كان روبرت آيخمان قد عين رئيسًا لقسم اليهود في جهاز الأمن العام سنة 1934م, وكان بحكم منصبه المسئول الأول عن معسكر أو شفيتز في ألمانيا والذي عُرف لاحقا على أنه أكبر معسكر لاعتقال اليهود, ولأن آيخمان لم يكن من محبي القتل أو من المتلذذين به رغم ولائه الشديد للقيادة النازية, فقد قام بعمليات واسعة لتهريب اليهود وتهجيرهم إلى خارج أوروبا من دون إذن أو علم من القيادة النازية في برلين.

 

وبعد سقوط ألمانيا النازية وانتحار هتلر في عام 1945م, نجا آيخمان من محاكمات نورمبرج المعروفة, والتي خصصت لمحاكمة النازيين من مجرمي الحرب عندما أسقطت عنه المحكمة تهمة الإجرام في الحرب لما استقر في أذهان القضاة ما قام به آيخمان من مساعدة لليهود وتجنيب الكثير منهم ويلات السجن وربما الموت, وبعد الإفراج عنه هرب آيخمان من ألمانيا بطرق سرية إلى خارج ألمانيا متنقلا بين عدة دول حتى استقر به المطاف في عاصمة الأرجنتين, ولم تذكر كتب التاريخ التي بين يدي شيئا عن سبب هروبه رغم تبرئته من كل التهم, ولكنني أرى أن هروبه كان نتيجة الإعدامات وتصفية الحسابات الدموية التي كانت تحدث في كل يوم في معظم المدن الألمانية.

 

وبعد الاحتلال اليهودي الصهيوني لفلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل في عام 1948م, تشكلت لجنة من داخل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مهمتها تتبع النازيين وبخاصة منهم من كان يعمل في معسكرات الاعتقال التي خصصت لاحتجاز اليهود, وبدأ هذا الإخطبوط يمد أذرعه في عواصم العالم باحثًا عن أي أثر لألئك الهاربين, وبعد تسع سنين من هذا البحث المتواصل تم العثور على أدولف آيخمان في بيونس آيرس عاصمة الأرجنتين في عام 1957م, وتم إرسال فريق من الموساد (المخابرات الإسرائيلية) إلى الأرجنتين وبالفعل تأكدت لهم صحة المعلومات ولكن آيخمان ما لبث أن أفلت من أنظار الموساد, واستمر البحث عنه في الأرجنتين حتى عُثر عليه مرة أخرى في عام 1960م, وتبين لهم أنه يعمل في أحد المصانع كمراقب للعمال باسم مستعار.

 

وفي (11 مايو 1960م) وبينما كان آيخمان في طريق عودته إلى منزله بعد عناء يوم طويل, كان رجال الموساد بانتظاره بالقرب من منزله, وعند اقترابه برزوا إليه وانقضوا عليه وساروا به إلى مكان خصص مسبقا لاحتجازه فيه, ولكن الصعوبة كانت تكمن في كيفية نقل الأسير إلى إسرائيل, إذ قام رئيس فريق الموساد في الأرجنتين بإدخال أحد رجال الموساد إلى المستشفى واستخرجوا له تقريرًا طبيًا يثبت مرضه وأنه يجب نقله إلى وطنه لتلقي العلاج اللازم, وقاموا بتزوير بعض الأوراق الثبوتية لآيخمان وزعموا أنه هو ذلك الإسرائيلي المريض وأنهم بصدد نقله إلى إسرائيل لتلقي العلاج, وقاموا بتخديره وإدخاله الطائرة دون أن ينتبه له أحد, ودون أن يستطيع الصراخ أو طلب المساعدة, ثم تم نقله إلى إسرائيل التي شهدت احتفالا بمناسبة القبض على آيخمان.

 

 

لقد رفعت هذه العملية اسم الموساد إلى المراتب العليا بين أجهزة الاستخبارات العالمية, ثم بدأت محاكمة آيخمان بشكل علني في (11 ابريل 1961م) وأعلن آيخمان أنه كان ينفذ الأوامر وأنه بالرغم من الأخطار التي كانت تحوم حول من يخالف الأوامر إلا أنه ساعد اليهود وكان هو الوحيد الذي خاطر بحياته لأنه ليس من مؤيدي السياسة النازية ضد اليهود, وطلب آيخمان إحضار الشهود من اليهود الذين ساعدهم والذين كانوا على علم بما قدم لليهود ولكن طلبه رفض بشكل قاطع, وبعد أن ساءت أحواله وعلم بالمصير المحتوم الذي ينتظره تقدم بالتماس للسماح له باعتناق اليهودية.

 

وبعد سؤاله عن الأسباب التي دفعته لهذا الفعل, أصر آيخمان على عدم الكلام إلا أمام عدسات المصورين وعلى مسامع الصحفيين من أنحاء العالم, وظن اليهود أن أيخمان يريد استعطافهم بمدح اليهود الدين اليهودي أمام العالم خاصة وأن الحكم النهائي لم يكن قد صدر بعد في ذلك الحين, فوافق اليهود على هذا الطلب, وفعلا تم ذلك أمام الصحافة العالمية ووقف آيخمن أمام أجهزة الصحافة والإعلام وقفة عسكرية فيها من العزة والشموخ ما يفتقر إليه الكثيرون, وقال الكلمات التي دونت في كتب التاريخ والتي ينبغي علينا تأملها والاستفادة منها ونحن في هذه الحقبة من تاريخنا والتي نمر بها في أصعب الظروف على الإطلاق, قال آيخمان:

 

( أردت اعتناق اليهودية ليس حبًا فيها, ولا في إسرائيل, إنما أردت بذلك أن أهتف لنفسي أن كلبًا يهوديًا قد أعدم ليُدرك من سبقوه من الكلاب ....... وإنه لكم يسعدني قبل أن أموت أن أوجه رسالة اعتذار للإسرائيليين تحمل كل ندمي وحرقتي وأقول لهم: إن أشد ما يحز في نفسي أنني ساعدتكم على النجاة من أفران هتلر, لقد كنت أكثر إنسانية معكم, بينما كنتم أكثر خبثا وقذارة أيها الكلاب, إن أرض فلسطين ليست إرثكم ولا أرضكم, فما أنتم إلا عصابة من الإرهابيين والقتلة ومصاصي دماء الشعوب, ما كان لكم إلا الحرق في أفران هتلر لتنجو الأرض من خبثكم وفسقكم ويهنأ الكون بعيدًا عن رذائلكم, فذات يوم سيأتيكم هتلر عربي يجتث وجودكم اجتثاثا, ويحرق عقولكم وأبدانكم بأفران النفط ........ أيها الكلاب, يؤلمني أن أشبهكم بالكلاب, فالكلاب تعرف الوفاء الذي لا تعرفونه, لكن نجاسة الكلاب وحيوانيتها من ذات سلوككم, إهنأوا ما شئتم بإجرامكم في فلسطين, حتى تجيء اللحظة التي تولون فيها الأدبار, وتعلو صرخاتكم تشق العنان, فتذوقوا مذلة النهاية التي لا تتصوروا أنها بانتظاركم, وعندها ستكون الكلاب الضالة أفضل مصيرًا منكم) وفي 31مايو 1962م, تم تنفيذ حكم الإعدام في آيخمان.

 

وإن كان آيخمان يستخدم في كلامه الشتم والسباب, فليست تلك من شيمنا ولا أخلاقنا, ولسنا نحن من يفرغ غضبه بالسب واللعان ولا تستهوينا نحن تلك الأساليب, ولكننا نقول أن توقعات آيخمان لم تصدق بعد ولا ندري إن كانت ستصدق, فأين هذا الهتلر العربي, وأين الأفران وأين النيران, إن الندم الذي أبداه آيخمان على مساعدته لليهود كان ندمًا حيث لا ينفع الندم أبدًا, ولعل قارئ هذه الكلمات يتساءل, لماذا حرص اليهود على محاكمته بالإعدام رغم مساعدته لهم, ورغم سقوط النازية, ورغم أنه يعيش في أقصى الأرض باسم مستعار في مصنع بسيط ولا يمكن أن يشكل أي خطر على أمن إسرائيل؟ والجواب بكل بساطة أن التخطيط اليهودي الذي أدى إلى إصدار الأمم المتحدة مؤخرًا قرارًا بإعلان تاريخ (27 يناير) من كل عام يومًا عالميا لتذكر الهولوكوست أو محرقة اليهود كان قد بدأ في ذلك الوقت, فالقصص المثيرة, والأكاذيب الحقيرة, للهولوكوست وما زاد فيه اليهود, لا يعلم بطلانها إلا القلة القليلة من العاملين على تلك المعسكرات من أمثال أدولف آيخمان, فهؤلاء في نظر اليهود هم أعظم العوائق في طريق تلفيق تلك القصص الخرافية التي لا مجال في عقلي لتصديقها, وبموت آيخمان مات كل أمل في تكذيب الروايات اليهودية عن هذا الهولوكوست, فلم يتطرق آيخمان لذكر الأعداد الحقيقية لقتلى اليهود في السجون النازية, ويبقى هذا السر مسجونا في قبور الكثيرين من أمثال آيخمان.

 

لم تكن تلك اللجنة المخابراتية الإسرائيلية التي تم تشكيلها لملاحقة النازيين تعمل على أساس الانتقام من المذنبين أو إحقاق الحق وإنزال العقاب بالمخطئين, بل كانت تعمل على ملاحقتهم لإخفاء الحقائق التي كان من الممكن أن يسمع بها العالم من هؤلاء النازيين ثم يكتشف العالم بعدها كل الأكاذيب والافتراءات اليهودية وكل التلفيق الذي أتى به اليهود لمذابح لم تكن أبدًا من الحقيقة أو الواقع.

 

ولما كانت أمة الإسلام هي المعسكر أو المعقل الوحيد الذي قد يولد في ربوعه هذا الهتلر العربي أو أي نظام يهدد بأي شكل من الأشكال بقاء واستمرار الكيان الصهيوني في فلسطين, سارع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة إلى إعادة هيكلة هذا العالم الإسلامي بما يخدم المصالح الغربية والصهيونية بفرعيها اليهودي والمسيحي, وإذا سأل سائل , لماذا انتظر الغرب حتى هذا الوقت لبدأ المخطط الهادف إلى التقسيم وشق الصفوف بينما إسرائيل جاثمة فوق المسجد الأقصى منذ عام 1948م؟ رددنا عليه بصوت يجرح طبلة الأذن, إن الغرب والولايات المتحدة شاركوا في الدفاع عن إسرائيل بشكل علني عسكريًا في عقد الخمسينيات والستينيات, وفي السبعينيات بدأ الحوار بين الجانبين والذي كان من منطلق الحوار بين منتصر ومهزوم, وأما في الثمانينيات جاءت الحرب العراقية الإيرانية, والاحتلال السوفييتي لأفغانستان ليستأثرا بالاهتمام الإسلامي والمجهود الجهادي, وقد عمل الاحتلال السوفييتي لأفغانستان على تشتيت المجهود الجهادي والذي غدا معظمه ينصب في أفغانستان نظرًا لصعوبة الوصول إلى فلسطين بسبب النتائج السلبية للحوار في عقد السبعينات والذي كان من أهم نتائجه وأنجحها على الإطلاق بالنسبة للصهاينة معاهدات السلام التي حولت دول المواجهة إلى حماة لأمن إسرائيل.

 

ثم لما تحررت أفغانستان بعون الله من الاحتلال السوفييتي وتخوف الغرب من تحول المجهود الجهادي إلى فلسطين دخل المخطط حيز التنفيذ, هذا من جانب, أما الجانب الآخر الذي أدى إلى تأخير المخطط الهادف إلى تقسيم الأمة الإسلامية ووضع أنظمة حكم هادئة ومطيعة للوبي الصهيوني, فهو مدى تجاوب الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض, فلسنا نحن من نعمم الشر على كل الجهات, ففي الولايات المتحدة إدارات مرت على البيت الأبيض لا تنحني للضغوطات اليهودية في معظم الأحيان, ففي زمن الرئيس كلينتون كان التجاوب مع المطالب الصهيونية واليهودية أقل بكثير من التجاوب الحالي من المحافظين الجدد رغم السيطرة اليهودية شبه التامة على الكونجرس الأمريكي وغيره من المؤسسات ذات الصلة بالقرار, فالمطالبات الصهيونية اليهودية والمسيحية لاحتلال العراق كانت قد بدأت قبل ذلك بكثير, والغريب في الأمر أن أول رسالة صدرت من المحافظين الجدد والتي وجهوها إلى الرئيس كلينتون مطالبينه باحتلال العراق كانت في عام 1998م, والأغرب من ذلك أن من الموقعين على هذه الرسالة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي, وزلماي خليلزاد الحاكم الفعلي لعراق اليوم, العراق, هذا البلد المعقد الذي سيكون محورًا للمقال القادم بإذن الله تعالى.

 

 

المراجع:

-         كفاحي    قراءة جديدة في مذكرات هتلر

-         المحافظون الجدد والمسيحيون الصهيونيون

 

بقلم / عبدالله مبارك 

 

 

مواضيع سابقة :

مايو

يونيو

يوليو

اغسطس

اكتوبر

نوفمبر

يناير

 

 

 

 

 

 أطبع هذه الصفحة

 

 

جميع حقوق الكتاب محفوظة لموقع al-soor.com

Powered By: MadeInKwt.com