الإخوة الأعداء

 

 

 

في أحد الأيام، جلست وحيدًا أمام التلفاز في صالة منزلي، أقلب المحطات من محطة إلى أخرى، وكنتُ قد بدأتُ كعادتي بالقنوات الإخبارية، فلم أجد بها إلا ما يزيدُ الهم همًا، والبؤس بؤسًا، والغضب غضبًا، فأحوال المسلمين تعصف بقلب كل مسلم، واختلاف المسلمين وتباغضهم يزيدنا يأسا، فتركتها واتجهتُ إلى القنوات الترفيهية لعلي أن ألقى فيها ما يُذهبُ عني ما وجدت، فما زادتني تلك المحطات على اختلافها إلا همًا على هم، وغضبًا على غضب، فالتقليد الأعمى للغرب قد أصبح الطابع السائد لدى الجميع وكأنهم يريدون الإنسلاخ من ماضيهم كما تفعل الأفاعي عند انسلاخها من جلودها.

 

فقبضتُ كتابًا كنت قد اشتريتهُ قبل يومٍ أو يومين، لقد كان كتابًا مؤثرًا جدًا، غير حالي، وأزال همي وأحزاني، كان الكتاب هو (نشأة الفرق الإسلامية) لكاتبه الشيخ محمد حمزة، يتكلم الكاتب عن الفِرق الإسلامية ونشأتها ومؤسسيها ومواطن الإختلاف بينها وبين باقي الفرق.

 

في بداية الأمر حَممَدتُ الله على ما أنا عليه، ودخل في نفسي شعورٌ بالراحة والإطمئنان، فالزمن الذي أعيشُ فيه ليس طفرة في تاريخ الأمة كما كنت أظن، وليس هذا الحقد بين الطوائف بالأمر الجديد، فاختلاف المسلمين بدأ منذ عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولعلهُ ليس من حقي أن أتحدث عن تلك الفترة وذلك لعدة أسباب، أهما أن الذين اختلفوا في تلك الفترة هم خير مني ولا يمكنني بحال من الأحوال أن أعتبر نفسي ندًا لهم أحاسبهم وأبحث في أخطائهم، وإضافة إلى ذلك فإنهم كانوا أعرف بحالهم وحال من عارضوه، والمراد من هذا أن نعرف جميعًا أن الذي يحدث اليوم في بلاد المسلمين من تضاد وتشاحن وربما أحقاد كما نرى في العراق بشكل خاص ليس نهاية المطاف، فالتفرق والتعادي الذي حدث بين المسلمين في الزمن الأول جاءت بعده انتصارات وفتوحات وأمجاد.

 

إن الحقد الطائفي بين السنة والشيعة في العراق قد وصل إلى حال لا يمكن أن يتعداه، وإذا حاول أن يزيد فلن يكون هناك مكان لذلك، فهو في هذا الوقت في قمة شدته، وإذا ما حاولتُ جاهدًا أن أكون محايدًا بين الفئتين فماذا أرى؟

أرى رجالا من أهل السنة فتحوا بلاد العالم ورجلا من الشيعة لم يفتحوا قرية...

أرى رجالا من أهل السنة يقارعون الأعداء في ميادين القتال يدافعون عن أرض الإسلام ورجالا من الشيعة يضربون الأمة في صميم قلبها يعينون العدو على الخلافة لإسقاطها كما حدث في الدولة العباسية على أيدي الشيعة والدولة العراقية التي سقطت صريعة على أيديهم وبمساعدتهم....

 

 

ومع هذا فلا تجد من الشيعة إلا العداء لأهل السنة بينما كان من الواجب عليهم إجلال أهل السنة الذين ضحوا بأرواحهم حتى وصلت هيبة الأمة الآفاق، وذاع صيتها في كل الأرجاء في ذات الوقت الذي كان فيه الشيعة يغطون في نوم عميق متوسدين على أسرة الديباج يستمتع علماؤهم بزواج المتعة ويشيدون منازلهم من أموال الفقراء المرغمين على إعطاء خمس أموالهم، فبعد تضحيات أهل السنة أصاب الشيعة شيئ من المجد (كونهم ينتمون ولو إسميًا إلى هذه الأمة)، أليس من الواجب عليهم إجلال أهل السنة وتعظيمهم؟

 

فعلا.... لقد طغى الإخوة الأعداء من الشيعة ولم يتركوا لأنفسهم خطوطًا للرجعة عما هم فيه.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

( وكذلك إذا صار لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم فهم دائما يوالون الكفار من المشركين واليهود والنصارى ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم ).

 

المراد من هذا الكلام أن يعرف الجميع أن الزمن الذي نعيش فيه ليس طفرة في تاريخ أمتنا المجيدة، وليس هذا الزمن بالضرورة هو نهاية المطاف، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكون أكثر من عثرة في طريق المجد، إن التاريخ الذي يغفله الكثيرون فيه ما يعزز ثقتنا بالله وبأن الأمة ولو كثر أعداؤها من الداخل أو الخارج لن تقف مكتوفة الأيدي زمنًا طويلا.

 

   

 

 

 

 

 

بقلم / عبدالله مبارك 

 

مواضيع سابقة :

مايو

يونيو

يوليو

اغسطس

اكتوبر

نوفمبر

 أطبع هذه الصفحة

 

 

جميع حقوق الكتاب محفوظة لموقع al-soor.com

Powered By: MadeInKwt.com