الدرس اليهودي

 

إن الناظر إلى حال الأمة الإسلامية في هذه الأيام لا يسعه إلا أن يستغرب الهجمة الشرسة التي يقودها الغرب عليها, أمة لا تشكل خطرًا واضحًا, مسلوبة الإرادة, قد طغى على أبنائها هم البحث عن حياة أفضل, منهم من هاجر, ومنهم من ينتظر, ويزيد الاستغراب حدة إذا وضعنا في الحسبان أن الغرب متعاون رغم اختلاف اللغات والأديان, وينفجر العقل استغرابًا إذا أدخل في حسبانه أن اليهود والمسيحيين متقاربون أشد التقارب, رغم الكره الذي ساد بينهم على مدى قرون, فما سبب هذا التقارب والتجاذب؟ ومن أين بدأ؟

 

في زمن ليس بقديم جدًا, كان المسيحيون أشد الناس كرهًا لليهود لاعتقادهم أنهم قتلوا المسيح عيسى عليه السلام, وقد نما هذا الكره على مدى قرون طويلة, وكان اليهود لا يهنئون بعيش بين المسيحيين, وكانوا ينعزلون في قرىً قذرة على أطراف المدن في أوربا وروسيا القيصرية, حتى جاء أحد الزعماء اليهود الأذكياء وقال لزملائه المسيحيين في أحد الاجتماعات الدينية: ((إنكم تنتظرون مجيء المسيح للمرة الثانية, ونحن ننتظر مجيئه للمرة الأولى, فلنبدأ ببناء الهيكل وبعد مجيء المسيح ورؤيته نسعى لحل القضايا المتبقية)).

 

وقد سرت هذه المقولة بين أوساط المسيحيين كسريان النار في الهشيم, وكان من بين المتأثرين بهذه المقولة الذكية قائد حركة الإصلاح المسيحي (لوثر) الذي دعا المسيحيين إلى إجلال اليهود وتعظيمهم والإيمان بأن اليهود هم الشجرة و أن المسيحيين ليسوا إلا أغصانًا نبتت على الشجرة الأصلية, ومن هذه النقطة بدأت نشأة المذهب البروتستانتي المتشدد الذي يمجد اليهود أشد التمجيد, ويجلهم أشد الإجلال, هذا المذهب الذي ينتمي إليه كل الذين يعتلون الكرسي في البيت الأبيض بسبب النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة المتمثل برجال الاقتصاد والمنظمات الصهيونية كمنظمة AIPAC, التي تعمل على رسم الأهداف التي من أهمها جمع الكلمة اليهودية والمسيحية في اتجاه واحد, يحقق لليهود ما يصبون إليه من تدمير وتقسيم لأمة الإسلام, وبالرغم من إعلان الإدارة الأمريكية أن الصين هي المنافس الإستراتيجي لها على المدى القريب, إلا أن الصين لا تعدو كونها منافسًا إستراتيجيا يسير في طريق طويل يؤدي في النهاية إلى تكوين دولة عظمى من المرتبة الثانية, ولكن أمة الإسلام في نظرهم قنبلة موقوتة, قد تنفجر في أي وقت معلنة بدء عهد جديد,عهدٌ تنشأ فيه أمة تتحطم على صخرتها كل القوى الطامعة مهما كانت قوتها وإمكاناتها.

 سايكس بيكو

هل يكون غريبًا ذلك التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة و إسرائيل بعد الذي سبق ذكره؟ وهل يكون غريبًا تقسيم الأمة الإسلامية والوطن العربي الذي حدث في اتفاقية سايكس بيكو إذا علمنا أن سايكس هذا هو مارك سايكس وهو يهودي صهيوني تربى على تعاليم الصهيونية؟ وهل يكون غريبًا إعراض بريطانيا وإهمالها لوعدها للشريف حسين حاكم الحجاز بأن تكون فلسطين جزءًا من الوطن العربي في ذات الوقت الذي تفي فيه بوعدها لليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين (وعد بلفور)؟ وهل نستغرب نحن مما يحدث في العراق من صراع طائفي لعب المحتلون الدور الأكبر لتأجيجه والسير بالعراق نحو التقسيم؟

الشريف حسين

لقد كان الذكاء اليهودي على مر العصور سببًا رئيسيًا في بقائهم وصمودهم أمام الأعاصير التي اجتاحتهم في معظم الأزمان, وأما تفرقهم بين الدول على شكل طفيليات خبيثة تعيش على أطراف المدن وهو الأمر الذي كان سببًا لضعفهم غدا اليوم سببًا لقوتهم, واليوم وبعد أن بزغ نجم الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة في هذا العالم المترامي الأطراف قاموا بنفوذهم بتحويلها من ولايات متحدة إلى ويلات متحدة, ويلات تلقي بحممها وشررها على الأمة التي حوت بالصدفة مكانًا يرى اليهود أنهم أحق به من غيرهم, علما بأن هذه الأمة كانت على مر العصور مثالا للعدل والمساواة, وقد علم اليهود أنهم لم يكن لهم مكانٌ يجدون فيه العدل والرحمة إلا في كنف الدولة الإسلامية, فقد كانوا محاربين ومطاردين ومنبوذين في أوربا وروسيا القيصرية, حتى لجئوا إلى الدولة العثمانية التي رحبت بهم وأنزلتهم أحسن منزل, ولم يلبثوا حتى تآمروا عليها وأنشئوا فيها الأحزاب كحزب تركيا الفتاة, وحزب الإتحاد والترقي, تلك الأحزاب التي ينتمي معظم أعضائها إلى يهود الدونمة, والدونمة باللغة التركية تعني المهتدين, لأنهم دخلوا بالإسلام ليعملوا على تقويض أركانه بإذكاء روح القومية بين الشعوب, حتى رفع التركي شعار القومية الطورانية (التركية), ورفع العربي شعار القومية العربية, واهتزت لذلك أركان الدولة العثمانية وتراخت أعضائها حتى قامت فيها المنظمات الماسونية والصهيونية, ثم من ذلك إلى انقلاب 1908م في تركيا الذي قاده ضباط من حزب الإتحاد والترقي, والذي أدى إلى دخول الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى, ثم الهزيمة وتفتت الدولة العثمانية ثم مباشرة إلى الثورة العربية ضد العثمانيين الأتراك التي قادها الشريف حسين بن علي حاكم مكة والحجاز بتحريض وتعاون من البريطانيين اليهود وعلى رأسهم سايكس بيكو, ثم مباشرة إلى سقوط الخلافة, وكان من ذكائهم أنهم لم يدعوا إلى الثورة العربية ضد العثمانيين إلا في أثناء خوض الدولة العثمانية غمار الحرب العالمية الأولى حتى لا تجد الدولة العثمانية مفرًا من الخضوع.

 

 

 

بقلم / عبدالله مبارك 

 

مواضيع سابقة :

مايو

يونيو

يوليو

اغسطس

اكتوبر

نوفمبر

يناير

 

 

 

 

 

 

 أطبع هذه الصفحة

 

 

جميع حقوق الكتاب محفوظة لموقع al-soor.com

Powered By: MadeInKwt.com