هذا جبريل

أتاكم ليعلمكم دينكم

 

 

أن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهديه الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له ، وصلى الله وسلم على رسول الهدى نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعة باحسان الى يوم الدين .

أما بعد ، فقد بينا في العدد السابق مدى أهمية هذا الحديث في الشريعة الإسلامية السمحاء  ومكانته العظيمة ،كما صنفه العلماء من أهل الحديث اجلهم الله ، وقبل أن نتطرق بشرح هذا الحديث كنا لابد لنا أن نذكر مناسبته في عهد النبي    صلى الله عليه وسلم  ، وأهم المواقف والأحداث التي  مره بها .

 

 لما كان من عادة النبي  صلى الله عليه وسلم   التي تعاهدها مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في تعليمهم الدين وشرح لهم الأمور و المسائل الشائكة في دينهم ودنياهم حدثهم   صلى الله عليه وسلم     في هذا الحديث ، هو كما ورد عن أبي ذر وأبي هريرة قالا : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم    يجلس بين ظهراني أصحابه ، فيجيء الغريب لا يدري أيهم هو حتى يسأل ، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن يجعل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه ، قال : فبنينا له دكاناً من طين ، فجلس عليه ، وكنا نجلس بجنبيه } .

وهذا دليل على انه ينبغي للمعلم أن يكون على مكان مرتفع لكي يعرف وليراه الحاضرون جميعا ، لا سيما إذا كان الجمع كثيراً ، فيتمكن الجميع من الاستفادة منه .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه انه قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  :         (( سلوني ، فهابوه أن يسألوه )) ، فجاء رجل فسأله ، وفي آخره قال  صلى الله عليه وسلم   : ( هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا )) .

 

 

 

 

القصة التي ذكرها الإمام مسلمة قبل سياقه الحديث الشريف:

         

فقد روى الإمام مسلم في صحيحة (8) ، تلك القصة التي استدل منها الحديث قبل سياقه ورواية وقد جعله الحديث الثاني في باب الإيمان وهو بإسناده عن يحي بن يعمر قال : (( كان أول من قال في   القدر في البصرة معبد الجهني ، فانطلقت أنا وحميد ابن عبد الرحمن الحميري حاجين                   أو معتمرين ، فقلنا : لو لينا أحد من أصحاب رسول الله  فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر ، فوقع لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد ، فاكتنفته أنا وصاحبي ، أحدنا عن يمينيه والآخر         عن شماله ، فظننت أن صاحبي سيكيل الكلام إليَّ ، فقلت : أبا عبد الرحمن ! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم ، وذكر من شانهم ، وأنهم يزعمون انه لا قدر ، وأن الأمر           أُنف ، قال : فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم ، وأنهم برآءُ مني والذي يحلف به عبد الله ابن عمر ! لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ، ثم قال : حدثني أبي عمر أبن الخطاب ( وروى الحديث ) . وهو حديث جبريل من هذه الطريق وبهذا اللفظ صدَّر به الأمام مسلم كتاب الإيمان والذي هو أول كتب صحيحة .

ومن هذا القصة التي أوردها الإمام مسلم قبل سياق حديثه فوائد نذكر منها وبإيجاز الأتي :

 

1) إن بدعة القول بالقدر قد ظهرت في البصرة في عصر الصحابة في حياة ابن عمر رضي الله عنه  وأرضاه ، وكانت وفاته سنة  (73) هـ .

وقال الإمام النووي رحمه الله :  ( واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء في القدم ، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى ، وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها، وأنها مستأنفة العلم، أي إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها، وكذبوا على الله سبحانه وتعالى وجل عن أقوالهم الباطلة علواً كبيراً، وسميت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر ).

2) من الواجب على كل مسلم أن يرجع في أمور دينه إلى أهل العلم ، كما رجع التابعيين إلى الصحابي الجليل عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما في معرفة ما يقع من أمور مشكلة ، سواء سواء كان ذلك في العقائد أو غيرها .

ولقول الله تعالى : { فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}النحل (7)

 

3) أنه يستحب للحاج أو المعتمر أن يستغل مناسبة ذهابه إلى الحرمين للتفقه في الدين والرجوع         إلى أهل العلم في معرفة ما يشكل عليه من أحكام الدين.

 

4)  في هذه القصة أنواع من الأدب ، منها اكتناف أحد هذين الرجلين عبد الله بن عمر ، فصار واحد عن يمينه والآخر عن شماله وذلك للتمكن من وعي ما يقوله رضي الله عنه ، ومنها مخاطبته بالكنية ( يا أبا عبد الرحمن ) وهو من حسن الأدب في الكلام .

 

5) أن الاستفتاء واخذ العلم كما يكون في حال جلوسه ، يكون ايضاً في حالة مشيه لأن التابعيين سألا ابن عمر رضي الله عنهما وأجابهم على ما سألا وهو يمشي .

 

6) طريقة جواب ابن عمر رضي الله عنهما لهذين السائليين كان بشده مما يدل في ذلك على خطورة بدعة القول بنفي القدر .

 

7) أن الشيطان أعاذنا الله وإياكم من كيده، يكون في إضلال الناس على طريقين ، فمن كان منهم عنده تقصير وإعراض عن طاعة الله حسن له الأعمال عن طريق الشهوات، ومن كان من هل الطاعة والعبادة، أتاه الشيطان عن طريق الغلو فيها وإلقاء الشبهات عليه.

 

شرح الحديث :

عن عمر رضي الله تعالى عنه أيضا قال :   بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه اثر السفر ولا يعرفه منا احد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال :  يا محمد اخبرني عن الإسلام ..........)

قوله:  بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ   بينما  هي (بينا) ولكن زيدت (ما) فيها والأصل: بين نحن، فـ: (ما) زيدت للتوكيد.

و:  جُلُوسٌ  مبتدأ، وخبره:  عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم   .

و:  ذَاتَ يَوْمٍ  ذات هنا تفيد النكرة، أي في يوم من الأيام.

وتستعمل في اللغة على وجوه متعددة، فتارة تكون بمعنى:

*صاحبة: مثل ذات النطاقين أي صاحبة النطاقين.

*وتارة تكون اسماً موصولاً: كما في لغة طي،وهم قوم من العرب يستعملون: ذات بمعنى التي،كما قال ابن مالك - رحمه الله-:( وكالتي أيضاً لديهم ذات) فمثلاً يقول: بعت عليك بيتي ذات اشتريت، أي التي اشتريت.

*وتارة تكون بمعنى النكرة الدالة على العموم: كما في جملة الحديث  ذات يوم..  وهذا أغلب ما تستعمل.

إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ  الرجل هنا مبهم، وهو رجل في شكله لكن حقيقته أنه مَلَك.

شَدِيْدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ  أي عليه ثياب بيضاء اللون ( ناصعة البياض ).

شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعْرِ  أي أنه شاب ولا يبان عليه الهرم ( كبر السن ).

لايُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ لأن ثيابه بيضاء وشعره أسود ليس فيه غبار ولاشعث السفر، ولهذا قال:  لايُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ لأن المسافر في ذلك الوقت يُرى عليه أثر السفر، فيكون أشعث الرأس،مغبرّاً، ثيابه غير ثياب الحضر، لكن لايرى عليه أثر السفر.

وَلايَعْرِفْهُ مِنَّا أَحَدٌ  أي وليس من أهل المدينة المعروفين، فهو غريب .

قال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/116-117) : (( فإن قيل : كيف عرف عمر أنه لم يعرفه أحد منهم ؟ أجيب بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلي ظنه ، أو إلى صريح قول الحاضرين ،   قلت : وهذا الثاني أولى ، فقد جاء كذلك في رواية عثمان بن غياث ، فان فيها : فنظر القوم بعضهم إلى بعض ، فقالوا : ما نعرف هذا )) .

حَتَّى جَلَسَ إِلىَ النبي صلى الله عليه وسلم  ولم يقل عنده ليفيد الغاية ، أي أن جلوسه كان ملاصقاً للنبي  صلى الله عليه وسلم   كما يجلس احدنا في الصلاة  .

ولهذا قال:  أَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلىَ رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ ( أي كفي هذا الرجل )  عَلَىَ فَخِذَيْهِ  أي فخذي هذا الرجل، وليس على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم   ، وهذا من شدة الاحترام.

وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ  ولم يقل:يا رسول الله ليوهم أنه أعرابي، لأن الأعراب ينادون النبي صلى الله عليه وسلم   باسمه العلم ، وأما أهل الحضر فينادونه بوصف النبوة أو الرسالة عليه الصلاة والسلام .

 


ومن فوائد هذا الشرح من الحديث :

 

·       إن من هدى النبي صلى الله عليه وسلم مجالسة أصحابه وهذا الهدى يدل         على حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم   ومنها انه ينبغي للإنسان أن يكون ذا           عشرة مع الناس ومجالسة وان لا ينزوي عنهم.

 

·       إن الخلطة مع الناس أفضل من العزلة ما لم يخش الإنسان على دينه فان خشي على دينه فالعزلة أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم   :  ( يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر ( .

 

·       إن الملائكة تأتي إلى البشر على شكل البشر ، ومثل ذلك ما جاء في القرآن من مجيء جبريل إلى مريم في صورة بشر ، ومجيء الملائكة إلى إبراهيم ولوط في صورة بشر ، وهم يتحولون بقدرة اله عز وجل عن الهيئة التي خلقوا عليها إلي هيئة البشر ، وقد قال الله جل وعلى في خلق الملائكة :    وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم   رأى جبريل وله ستمائة جناح ، ومثل الملائكة في المجيء على هيئة البشر :  الجن ، كما ثبت في صحيح البخاري ( 2311 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الذي           يأتي إليه ويحث من الطعام ، وكما تأتي الجن على هيئة البشر ،  فإنها تأتي على هيئة الحيات كما في صحيح سلم ( 2236 ) .

 

·       حسن أدب المتعلم أمام المعلم حيث جلس جبريل عليه الصلاة والسلام إمام     النبي صلى الله عليه وسلم   هذه الجلسة الدالة على على الأدب والإصغاء والاستعداد  لما يلقى إليه من العلم ، كما انه يحث السائل على أن لا يقتصر سؤاله على أمور             يجهل حكمها ، بل ينبغي له أن يسأل غيره وهو عالم بالحكم ويعرفه كي يسمع     غيره من الحاضرون الجواب ، ولهذا نسب إليه النبي  صلى الله عليه وسلم   في آخر        الحديث التعليم ، حين قال      صلى الله عليه وسلم   : (( فانه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم )) بينما التعليم حاصل من النبي صلى الله عليه وسلم   ، لأنه هو المباشر له ، ومضاف إلى     جبريل لكونه المتسبب فيه.

 

·       فيه إشارة لما ينبغي للمسئول من الصبر والتواضع والصفح عما يبدو من جفاء السائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمرة ليقوي الظن بأنه من           جفاء الأعراب.

 

·       ومنها  : جواز دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حينها باسمه لقوله"يا محمد"وهذا يحتمل انه قبل النهى اى قبل نهى الله تعالى عن ذلك في قوله تعالى :                    {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً }[النور:36] .                                     على احد التفسيرين ويحتمل إن هذا جرى على عادة الأعراب الذين يأتون الرسول صلى الله عليه وسلم فينادونه باسمه:يا محمد إلى أن نزلة آية التحريم في قول الله تعالى: (لا تجعلوا......) لان ( لا ) تفيد النهي أي الكف عن الفعل الذي أمر بتركه الشارع .

وقال الضحاك عن ابن عباس: كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك إعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم، قال: فقولوا يا نبي الله، يا رسول          الله، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير. وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يبجل وأن يعظم وأن يسود. وقال مقاتل بن حيان في قوله تعالى :  {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً } يقول: لا تسموه إذا دعوتموه يا محمد ولا تقولوا يا ابن عبد الله، ولكن شرفوه فقولوا: يا نبي الله يا رسول الله.

 

 

 

وسوف نشرح معنى الإسلام في العدد القدم إن شاء الله تعالى ،،،

 

 

 

                                                                                 أخوكم  :       خــــــــــــالد  

 

مواضيع سابقة :

مايو

يونيو

يوليو

أغسطس

نوفمبر

 

 أطبع هذه الصفحة

 

 

جميع حقوق الكتاب محفوظة لموقع al-soor.com

Powered By: MadeInKwt.com