الحسبة و
الاحتساب
الحمد
لله ، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، حمدا يقتضي نعمائه وبمتري ترادف
آلائه ، وصلى الله على من أوضح به الأعلام وشرع بلسانه الإسلام ، للخليقة هاديا
بالمعروف آمر وعن المنكر ناهيا، حجة للعالمين ومحجة للسالكين ، حبيبنا محمد
وعلى آله وصحابته أجمعين .
تعريف
الحسبة .
(أ)
معنى الحسبة لغة :
الحسبة
اسم من الاحتساب ، والاحتساب اسم من الحسب . ويقول العلامة ابن الأثير :
(والاحتساب كالاعتداد من العدّ ، والحسبة اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد).
وكلمة
الاحتساب لها عدة معان . ومنها :
أولاً:
طلب الأجر :
وذلك
لقول النبي
:[من
صام رمضان إيمانا واحتساباً غفرله ما تقدم من ذنبه] ومنه ما رواه
عن
ربه تعالى انه قال تعالى : [ مالعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيته من أهل
الدنيا ثم احتسب إلا الجنة ].
ثانياً
: الاختيار:
يقال :
احتسبت فلان .أي احتسبت ما عنده ، ويقال أيضا : للنساء يحتسبن ماعند الرجال لهن
أي يختبرون.
ثالثاً
: الإنكار :
يقال (
احتسب فلان على فلان ) أي أنكر علية قبح عمله. ومنه المحتسب الذي ينكر على
الناس قبيح أعمالهم .
رابعاً
: الظن :
وقد ورد
المعنى في ثلاثة آيات من القرآن الكريم . ومنها قوله تعالى :{
وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ
يَحْتَسِبُ } .
وقوله
تعالى: { وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ
يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} .
وقوله
تعالى : { فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ
يَحْتَسِبُواْ} .
خامساً:
الاعتداد :
يقال: (
فلان لايحتسب به ) أي لايعتد به .
سادساً
: الاكتفاء :
يقال :
( احتسب بكذا ) أي اكتف به ، ومنه قولهم : ( فلان حسن الحسبة ) أي الكفاية
والتدابير .
(ب)
تعريف الحسبة اصطلاحاً :
ويوجد
هناك تعاريف عديدة للحسبة ولعل من أقدم التعاريف التي وصلت إلينا هو تعريف
الإِمام الماوردي والقاضي أبي يعلى الحنبلي للحسبة حيث يقولان :
(
الحسبة: هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله ).
وكذلك
ما ذكره ابن الإخوة بقوله : ( هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا
ظهر فعله ، وإصلاح بين الناس ) .
ومما
يلاحظ على هذا التعريف بان ابن الإخوة خصص بالذكر ( وإصلاح بين الناس ) مع
دخوله في ( أمر بالمعروف )، ولعل ابن الإخوة دفع هذه الملاحظة بذكره بعد
التعريف
قوله
تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن
نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ
بَيْنَ ٱلنَّاسِ } ، مشيراً بأنه أضاف ( إصلاح
بين الناس ) مقتدياً بقوله تعالى ، وهذا من باب ( ذكر الخاص بعد العام ) لإبراز
أهمية الخاص.
v
مقاصد أهل
الاحتساب:
إن لكل
عمل تنصص علي الشريعة له مقصد شريف يليق بمكانتها الشريفة ، وثمرة تظهر واضحة
وجلية تضيء بين أجواء البرية، لاسيما إذا ما طبق هذا العمل وفقاً لكتاب الله جل
جلاله وتبعاً لسنة نبيه
،
وامتداداً بما حافظ وأعتنا به السلف الصالح رضوان الله عليهم ومن تلك المقاصد
:-
أولاً:
تحقيق العبودية لله تعالى وحده لاشريك له.
إن الله
عز وجل لم يخلقنا عبثا ولم يتركنا هملا بل خلقنا لحكمة جليلة، وأمر عظيم وإقامة
الملة وشرع الدين، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ومما يدل على ذلك قوله تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ
إِلاَّ لِيَعْبُد } .
وقوله
تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ
عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } .
وقوله
تعالى : {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ} . وقوله تعالى :
{أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى } .
ثانياً
: رجاء الثواب المرتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحصيل فضله.
إن رغبة
الثواب الجزيل هي التي تدفع أصحاب الهمم العالية نحو هذا العمل الجليل دفعهم
على فعل ذلك قول الله تعالى : {وَلْتَكُن
مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } .
وقوله
تعالى :
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ }.(1)
وقال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله :-
(فمن
أتصف من هذه الامه بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء والمدح لهم ، كما قال
قتادة : بلغنا أن عمر بن الخطاب في حجة حجها رأى من الناس سرعة فقال : ( من سره
أن يكون من تلك الامه فليؤد شرط الله فيها ) . يعني الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر والإيمان بالله.
ثالثاً
: خوف العقاب والإثم على تركه.
لقوله
تعالى : {وَٱتَّقُواْ
فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ
أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} .
ولقوله
تعالى : {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ
إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا
عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ
*كَانُواْ
لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}
.
وقال
الإمام ابن النحاس عند كلامه عن هذه الآية :
(وهذه
غاية التشديد ونهاية التهديد لمن ترك الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر ، إذ بين
سبحانه أن السبب في لعنهم هو ترك التناهي عن المنكر ، وبين أن عصيان منهم
واعتداء ، وأن ذلك بئس الفعل ، فاعتبروا يا أولي الألباب) .
رابعاً
: إجلال الله تعالى وإعظامه ومحبته والغضب له سبحانه على انتهاك محارمه .
وأخبرت
عائشة – أم المؤمنين رضي الله عنها – عن حال النبي
،
ووصفته فقالت :
[ ...
وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله –تعالى-
فينتقم لله – تعالى ].
خامساً
: النصيحة للمسلمين والرحمة بهم والشفقة عليهم ورجاء إنقاذهم مما أسخطوا الله
به .
وذلك
لقوله تعالى :
{وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ
بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ
وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ
سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
.
وقال
شيخ السلام ابن تيمية –رحمه الله-:
( فبين
سبحانه في هذه الآية أن هذه الأمة خير أمة للناس : فهم أنفعهم لهم ، وأعظمهم
إحسانا إليهم ، لأنهم كلموا أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة
والقدر ، حيث أمروا بكل معروف ونهوا بكل منكر لكل أحد ، وأقاموا ذلك الجهاد في
سبيل الله بأنفسهم وأموالهم ,هذا كمال النفع للخلق ).(2)
وكذلك
قول النبي
:
[ أنصر أخاك ظالماً أ, مظلوماً ، فقال رجل : يارسول الله ، أنصره إذا كان
مظلوما ، أرأيت إن كان ظالماً ! كيف أنصره ؟! قال
:
تحجزه –
أو تمنعه - من الظلم، فإن ذلك نصره ].
سادساً
: حماية المجتمع من أسباب تحلله وهلاكه والعمل على صلاحه وفلاحه.
وقد ضرب
النبي
،
مثلا بين فيه
شدة حاجة المجتمعات لضمانات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واضطرارها إليه
في سبيل تحقيق سلامتها واستقراها واستمرار سعادتها وتجنبها أسباب الفساد
والهلكة وسقوط القيم الأخلاقية ، وأن بسقوط القيم تسقط الأمم.
فقد روى
البخاري في صحيحه ، عن النعمان ابن بشير
،
عن النبي
قال :
[مثل القائم على حدود الله والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة ، فأصاب
بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على
من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا ، فإن
يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ].
فهذا
مثل ضربه الذي لاينطق عن الهوى وهو الصادق المصدوق
،
بين فيه حال كل من الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، ومن كان واقعاً في
المناهي ومدى تأثير كل منهما على الآخر.
فالسفينة هنا بمثابة المجتمع الذي يعيشون فيه ، سفينة يواجهها عُبابُ البحر
الغليظ ، وهي ترتطم بأمواجه المتراكمة المتلاحقة ، وفوق مياهه العميقة الغائرة
، لكن حواجز تلك السفينة لازالت منيعة متينة ، وهكذا الإيمان والتقوى والحدود
والطاعات تحفظ المجتمعات من أمواج الفتن على اختلاف أنواعها ، وتحفظها من
الهوة السحيقة للضلالات ، أي ضعف أو خلل في تلك السفينة يعرضها للهلاك والغرق ،
وهذا الهلاك يشمل الجميع : من تسبب في ضعف وخلل السفينة ومن لم يتسبب ، وقد
يكون المتسبب غير قاصد للخلل وإهلاك الآخرين ، إنما يحاول – بزعمه – التصرف في
حيزة الشخصي وحدوده الخاصة حتى لايقع في إحراج مع الآخرين .
هذا
والله اعلى واعلم
وصلى
الله على حبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
بقلم /
خــــــالـد الخليفة