الشيخ
عبد الله النوري
و
الحديث نحو ثقافة
سلفية
الشيخ
عبد الله النوري في
أحدى مراحل عمره
______
ان الحديث عن الشيخ
عبد الله النوري لا
يحمله مقال واحد يسطر
فيه لحظات حياته و
آثاره العلمية ، فان
الكتابة عنه بعد هذه
السنين الطويلة من
تاريخ وفاته ، باتت
متشابكة الأطراف بين
حياته و منهجيته
العلمية ، و التي أنتجت
الخلط و الجهل لدى
الكثير من أوساط
المثقفين و طلبة العلم
نحو سيرته ، ذلك لعدم
تعدد المصادر و شحها
اتجاه هذا العلامة
الفريد من نوعه ، اضافة
الى ذلك عدم وجود جهة
علمية تعيد الأهتمام
بسير العلماء بشكل جدي
، فضلا عن المجهودات
الفردية التي تجعل من
الباحث المعاناة و
التعب نحو تحصيل خمسة
أو ستة صفات لسيرة
العلماء الأفاضل ، مما
تفتح الباب نحو الشغف و
الفضول بالحصول على
المزيد من الترجمة
الواحده ، و ربما قد
تساعد في شدة البحث
اتجاه سيرتهم و
تراجمهم .
و باعتقادي فان
الشيخ عب الله النوري
يجب القيام بالتعريف
نحو مدرسته الفقهية و
الدعوية ، قبل القيام
بالكتابة عن حياته و
مراحل عمره ، ذلك أن
عقيدته و فقهه و دعوته
لها من الكنوز و المآثر
التي تحفزنا نحو
الاقتداء بها في زمننا
الحالي ، بالاضافة الى
مؤلفاته التي تنوعت في
فنونها من فقة و إفتاء
و أدب و تاريخ و شعر و
شرح للمتون ، و التي
بلفت نحو اثنان و عشرون
مصنفا ، و التي تبين
توجه الشيخ النوري في
المعتقد و الدعوه ، و
قد يجرنا ذلك الى
مكتبته الخاصة و التي
حوت نحو سبعة آلاف كتاب
، و قد كانت في بدايتها
لا تتعدى الثمانية
عشرة كتابا ، يقول
الشيخ عبدالله النوري :
" و أول مكتبة جمعتها
في السنة العشرين من
عمري كانت مكونة من
سبعة عشرة كتابا
أغازلها في فترات
راحتي " أنتهى .
كان العلم و الادب
قد لازما الشيخ عبد
الله النوري منذ
ولادته و طفولته ، حتى
آخر عمره ، و قد ولد في
سنة 1323 هجري أي ما
يعادل سنة 1905 ميلادي ،
و أما نسبه فهو يرجع
الى قبيلة تسمى " آل
عبيد " و هي فرع من
قبيلة " شمر "
القحطانية و قد تعددت
تلقي مصادر العلم التي
كان يحظى بها ، فوالده
كان أستاذا و استفاد و
تعلم منه بالاضافة الى
شيخه جمعه بن جودر ، و
الكثير من العلماء و
الاساتذة ، فكان
أبرزهم شيخه و استاذه
الشيخ عبدالله الخلف
الدحيان الحربي ،
الحنبلي مذهبا و
السلفي اعتقادا و
مشربا ، فقد لازمه فتره
طويلة و تربى على يده و
تحنبل عن طريقه ، و قرأ
عليه دليل الطالب
بالاضافة الى دروس في
صحيح الامام البخاري ،
و قد تأثر به أيما تأثر
، و كان من ابرز
تلاميذه في الكويت ، و
الذي كان مسجده يقع في
منطقة القبلة .
ذلك التأثر جعل
الشيخ عبدالله النوري
يسير على منهاجه في
الاعتقاد السلفي و
التمذهب الفقهي ، الا
أن الشيخ النوري لم
يقتصر على المذهب
الحنبلي في الافتاء ،
فقد كان يجتهد فيما
يراه صوابا بخروجه عن
المذهب الحنبلي في بعض
المرات .
فالمتأمل في مدرسة
الشيخ النوري ، يجد
مدرسة حنبلية سلفية
مجتهدة ، تامر
بالمعروف و تنهى عن
المنكر ، و تحارب
الخرافات و البدع ، و
تتمسك بالكتاب و السنة
اعتصاما ، و ترى في فقه
المصلحة و المفسده
العامة فيما له ضوابط
من الكتاب و السنة .
الشيخ
عبد الله النوري
مصافحاً الرئيس
الاندونيسي سوهارتو في
أحد المناسبات
اضافة الى ذلك فان
الشيخ عبدالله النوري
كان منزله و مكتبه
مفتوحان لحل مشاكل
الناس الشخصية و
الأسرية ، فكثيرا منن
الناس ما كان يلجأ اليه
في حياته و مسيرته
اللتان كانتا حافلتان
بالانشطة العلمية و
العملية ، فقد قام
بالتدريس في عدة مدارس
، و كان من ضمنها
المعهد الديني الذي
أسس في الكويت سنة 1942
ميلادي ، و كان هو
المسؤول عن شعبة الفقه
الحنبلي ، بالاضافة
الى عمله مديرا لاذاعة
الكويت سنة 1953 ، و كذلك
عمله في سلك القضاء و
المحاماة الشرعي ، و
كذلك الامامة و
الخطابة ، و كان من أهم
اعماله رئاسته للجنة
الافتاء التابعة
لوزارة الأوقاف و
الشئون الاسلامية
بدولة الكويت ، حيث ظل
رئيسا لها منذ قيامه
بتاسيسها سنة 1965
ميلادي حتى سنة وفاته
1981 ميلادي .
ان الآثار
المنهجية لدى الشيخ
عبدالله النوري جعلته
يتبنى عدة قضايا خلال
مسيرته العلمية و
الدعوية ، و في جوهر
تلك القضايا و روحها
تتعرف أكثر على شخصية
الشيخ عبدالله النوري
و منهجه و توجهاته ،
فهو يدافع عن العقيدة و
التوحيد ، و يحارب
الخرافات و البدع من
خلال رسالته "
سألوني في العبادات و
العقيدة " ، و كذلك
كتابه " البهائية
سراب " ، و تجده أيضا
يهتم في شئون المرأة
الاسلامية من خلال
فتاواه في التلفزيون و
الاذاعة و من خلال
رسائله مثل " سألوني
عن المرأة " ، و كذلك
" المرأة المسلمة في
المجتمع المسلم " ،
فتجد في طياتها دعوه
الى تحكيم الكتاب و
السنة و تحرير المرأة
على القواعد الشرعية
الصحيحة ، و ليس على
الطريقة الغربية التي
باتت غازية للعالم
الاسلامي ولا أبالغ ان
قلت أنها غزت الفقه
الاسلامي أيضا ، كذلك
فان الشيخ عبدالله
النوري يرى بأن الأدب و
اللغة و التاريخ علوم
ضرورية على الفرد
المسلم أن يتعلمهم ،
فتجد ذلك باهتمامه
بالتراجم مثل كتابه
" خالدون في تاريخ
الكويت " ، و كتابه
" مذكرات عن حياة
المرحوم الشيخ أحمد
الجابر " ، و أما في
التاريخ فتجد له
اهتمامات أيضا مثل
كتابه " قصة التعليم
في الكويت " ، و
كتابه " حكايات من
الكويت " ، و قد أصدر
ديوانا شعريا أيضا
اسماه " من الكويت
" ، و كانت له
اهتمامات في الامثال
الشعبية ، فقد أجتهد في
جمعها كاملة في مصنف
واحد و قام بترتيبها
على حسب الحروف
الهجائية بالاضافة الى
شرحها و تعريف
مفرداتها و بيان
الغريب منها ، و متى
تذكر و كيف تقال ، و لا
تنسى أن اهتمامه في
الأدب جعله ملازما
لحياته حتى في أسفاره و
ترحاله ، و قد كتب في
رحلاته عندما سافر الى
شرق آسيا سنة 1976 ،
كتابه " يوميات زائر
للشرق الأقصى " ، و
كذلك عندما رحل الى
الديار المقدسة لأداء
فريضة الحج ، و كان ذلك
في سنة 1953 ، و قد كتب في
ذلك كتابه " شهر في
الحجاز " .
فالذي يميز الشيخ
عبدالله النوري هوعدم
تضييعه للوقت في أي شيء
لا فائدة من ورائه من
خلافات و غيرها ، و قد
كان جل تركيزه على
التصنيف ، و كذلك
اهتمامه البالغ في
استفسارات الناس و
الرد على مراسلاتهم و
فتاواهم ، و الذي كان
يستقبلها عن طريق
الاذاعة و التلفزيون
أو في مكتبه الخاص ، و
قد تبلغ أحيانا المئات
من المراسلات و
الفتاوى خلال الأسبوع
الواحد ، و فيها ما كان
يحتوي على أسرار و عرض
مشاكل البيوت ، و منها
ما كان يحتوي على
المشاكل الخاصة ، و
منها ما كان يحتوي على
المسائل الفقهية و
العقدية ، و منها أيضا
ما هو غريب جدا ، و الذي
كان يجعل من قارئه
الذهول و الحيرة عند
قرائته للسؤال ، و قد
جمع الشيخ بعض منها في
مصنف خاص أطلق عليه "
من غريب ما سألوني "
، و أما باقي الفتاوى
فقد أصدرها في كتب و
مصنفات أخرى ، تحت
سلسلة أجزاء "
سألوني " .
وكان الشيخ عبد
الله النوري يقضي وقته
أيضا في المجالس
العلمية و اجتماعات
لجنة الافتاء ، للرد
على الفتاوى ، و كان
لأهله و اولاده النصيب
الأكبر من الوقت و
الرعاية و الاهتمام .
ولم يكن الشيخ
عبدالله النوري يسير
خلف دعوة تخالف الكتاب
و السنة ومنهج السلف
الصالح ، فهو سلفي
العقيدة ، و هو شيخ
مجتهد قد يصيب و يخطيء
، و لم يتبع بدعوته
احدى الدعوات الموجودة
في ساحتنا اليوم لسبب
رئيسي واضح و هو ان
نشاطه الدعوي كان في
فترة الأربعينات و
الخمسينات والستينات ،
و هو زمن كانت الكويت
خالية من التوجهات
الفكرية و الحركات
الدعوية ، و قد كان من
أهم ما يميز دعوته هو
نشر العلم و تنوير
الناس و محاربة
الخرافات و البدع ، و
اعتقاده بأن التربية و
الخلق من أهم ما يقوم
عليه المجتمع المسلم ،
و قد عاش حياته على هذا
المنهج و الاسلوب حتى
وفاته في ذلك اليوم
الذي كان في يوم السبت
" ربيع الأول لسنة 1401
للهجرة " الموافق 17
يناير لسنة 1981 للميلاد
، و الذي فقد العالم
الإسلامي بعد ذلك شيخا
و عالما جليلا سخر
حياته لنشر العلم و
الخير ، و قد انتقل الى
جوار ربه بعد أن داهمه
مرض السرطان الذي أصاب
احدى كليتيه ، و ظل معه
لفترة أربعة أشهر
تقريبا ، و قد رثاه
العالم الاسلامي و
رثته الامة و حزنت عليه
الكويت ، و فقدت من بعد
ذلك اليوم علما من
أعلام الدعاة الذي لهم
باع كبير في الفتوى و
نشر العلم في الكويت ،
و هو أحد أعلام الفقه
الحنبلي ، و هو من خيار
العلماء الذين ساروا
في حياتهم على منهج
السلف الصالح في
العبادة و المعاش .
و
الحمد لله رب العالمين
.............