الشيخ عبد الله النوري

و الحديث نحو ثقافة سلفية

( 1905 – 1981 )

 

 

الشيخ عبد الله النوري في أحدى مراحل عمره

 

______

 

     ان الحديث عن الشيخ عبد الله النوري لا يحمله مقال واحد يسطر فيه لحظات حياته و آثاره العلمية ، فان الكتابة عنه بعد هذه السنين الطويلة من تاريخ وفاته ، باتت متشابكة الأطراف بين حياته و منهجيته العلمية ، و التي أنتجت الخلط و الجهل لدى الكثير من أوساط المثقفين و طلبة العلم نحو سيرته ، ذلك لعدم تعدد المصادر و شحها اتجاه هذا العلامة الفريد من نوعه ، اضافة الى ذلك عدم وجود جهة علمية تعيد الأهتمام بسير العلماء بشكل جدي ، فضلا عن المجهودات الفردية التي تجعل من الباحث المعاناة و التعب نحو تحصيل خمسة أو ستة صفات لسيرة العلماء الأفاضل ، مما تفتح الباب نحو الشغف و الفضول بالحصول على المزيد من الترجمة الواحده ، و ربما قد تساعد في شدة البحث اتجاه سيرتهم و تراجمهم .

 

     و باعتقادي فان الشيخ عب الله النوري يجب القيام بالتعريف نحو مدرسته الفقهية و الدعوية ، قبل القيام بالكتابة عن حياته و مراحل عمره ، ذلك أن عقيدته و فقهه و دعوته لها من الكنوز و المآثر التي تحفزنا نحو الاقتداء بها في زمننا الحالي ، بالاضافة الى مؤلفاته التي تنوعت في فنونها من فقة و إفتاء و أدب و تاريخ و شعر و شرح للمتون ، و التي بلفت نحو اثنان و عشرون مصنفا ، و التي تبين توجه الشيخ النوري في المعتقد و الدعوه ، و قد يجرنا ذلك الى مكتبته الخاصة و التي حوت نحو سبعة آلاف كتاب ، و قد كانت في بدايتها لا تتعدى الثمانية عشرة كتابا ، يقول الشيخ عبدالله النوري : " و أول مكتبة جمعتها في السنة العشرين من عمري كانت مكونة من سبعة عشرة كتابا أغازلها في فترات راحتي " أنتهى .

 

    كان العلم و الادب قد لازما الشيخ عبد الله النوري منذ ولادته و طفولته ، حتى آخر عمره ، و قد ولد في سنة 1323 هجري أي ما يعادل سنة 1905 ميلادي ، و أما نسبه فهو يرجع الى قبيلة تسمى " آل عبيد " و هي فرع من قبيلة " شمر " القحطانية و قد تعددت تلقي مصادر العلم التي كان يحظى بها ، فوالده كان أستاذا و استفاد و تعلم منه بالاضافة الى شيخه جمعه بن جودر ، و الكثير من العلماء و الاساتذة ، فكان أبرزهم شيخه و استاذه الشيخ عبدالله الخلف الدحيان الحربي ، الحنبلي مذهبا و السلفي اعتقادا و مشربا ، فقد لازمه فتره طويلة و تربى على يده و تحنبل عن طريقه ، و قرأ عليه دليل الطالب بالاضافة الى دروس في صحيح الامام البخاري ، و قد تأثر به أيما تأثر ، و كان من ابرز تلاميذه في الكويت ، و الذي كان مسجده يقع في منطقة القبلة .

 

     ذلك التأثر جعل الشيخ عبدالله النوري يسير على منهاجه في الاعتقاد السلفي و التمذهب الفقهي ، الا أن الشيخ النوري لم يقتصر على المذهب الحنبلي في الافتاء ، فقد كان يجتهد فيما يراه صوابا بخروجه عن المذهب الحنبلي في بعض المرات .

 

فالمتأمل في مدرسة الشيخ النوري ، يجد مدرسة حنبلية سلفية مجتهدة ، تامر بالمعروف و تنهى عن المنكر ، و تحارب الخرافات و البدع ، و تتمسك بالكتاب و السنة اعتصاما ، و ترى في فقه المصلحة و المفسده العامة فيما له ضوابط من الكتاب و السنة .

 

 

 

 

 

الشيخ عبد الله النوري  مصافحاً الرئيس الاندونيسي سوهارتو في أحد المناسبات

 

 

 

 

     اضافة الى ذلك فان الشيخ عبدالله النوري كان منزله و مكتبه مفتوحان لحل مشاكل الناس الشخصية و الأسرية ، فكثيرا منن الناس ما كان يلجأ اليه في حياته و مسيرته اللتان كانتا حافلتان بالانشطة العلمية و العملية ، فقد قام بالتدريس في عدة مدارس ، و كان من ضمنها المعهد الديني الذي أسس في الكويت سنة 1942 ميلادي ، و كان هو المسؤول عن شعبة الفقه الحنبلي ، بالاضافة الى عمله مديرا لاذاعة الكويت سنة 1953 ، و كذلك عمله في سلك القضاء و المحاماة الشرعي ، و كذلك الامامة و الخطابة ، و كان من أهم اعماله رئاسته للجنة الافتاء التابعة لوزارة الأوقاف و الشئون الاسلامية بدولة الكويت ، حيث ظل رئيسا لها منذ قيامه بتاسيسها سنة 1965 ميلادي حتى سنة وفاته 1981 ميلادي .

 

     ان الآثار المنهجية لدى الشيخ عبدالله النوري جعلته يتبنى عدة قضايا خلال مسيرته العلمية و الدعوية ، و في جوهر تلك القضايا و روحها تتعرف أكثر على شخصية الشيخ عبدالله النوري و منهجه و توجهاته ، فهو يدافع عن العقيدة و التوحيد ، و يحارب الخرافات و البدع من خلال رسالته " سألوني في العبادات و العقيدة " ، و كذلك كتابه " البهائية سراب " ، و تجده أيضا يهتم في شئون المرأة الاسلامية من خلال فتاواه في التلفزيون و الاذاعة و من خلال رسائله مثل " سألوني عن المرأة " ، و كذلك " المرأة المسلمة في المجتمع المسلم " ، فتجد في طياتها دعوه الى تحكيم الكتاب و السنة و تحرير المرأة على القواعد الشرعية الصحيحة ، و ليس على الطريقة الغربية التي باتت غازية للعالم الاسلامي ولا أبالغ ان قلت أنها غزت الفقه الاسلامي أيضا ، كذلك فان الشيخ عبدالله النوري يرى بأن الأدب و اللغة و التاريخ علوم ضرورية على الفرد المسلم أن يتعلمهم ، فتجد ذلك باهتمامه بالتراجم مثل كتابه " خالدون في تاريخ الكويت " ، و كتابه " مذكرات عن حياة المرحوم الشيخ أحمد الجابر " ، و أما في التاريخ فتجد له اهتمامات أيضا مثل كتابه " قصة التعليم في الكويت " ، و كتابه " حكايات من الكويت " ، و قد أصدر ديوانا شعريا أيضا اسماه " من الكويت " ، و كانت له اهتمامات في الامثال الشعبية ، فقد أجتهد في جمعها كاملة في مصنف واحد و قام بترتيبها على حسب الحروف الهجائية بالاضافة الى شرحها و تعريف مفرداتها و بيان الغريب منها ، و متى تذكر و كيف تقال ، و لا تنسى أن اهتمامه في الأدب جعله ملازما لحياته حتى في أسفاره و ترحاله ، و قد كتب في رحلاته عندما سافر الى شرق آسيا سنة 1976 ، كتابه " يوميات زائر للشرق الأقصى " ، و كذلك عندما رحل الى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج ، و كان ذلك في سنة 1953 ، و قد كتب في ذلك كتابه " شهر في الحجاز " .

 

     فالذي يميز الشيخ عبدالله النوري هوعدم تضييعه للوقت في أي شيء لا فائدة من ورائه من خلافات و غيرها ، و قد كان جل تركيزه على التصنيف ، و كذلك اهتمامه البالغ في استفسارات الناس و الرد على مراسلاتهم و فتاواهم ، و الذي كان يستقبلها عن طريق الاذاعة و التلفزيون أو في مكتبه الخاص ، و قد تبلغ أحيانا المئات من المراسلات و الفتاوى خلال الأسبوع الواحد ، و فيها ما كان يحتوي على أسرار و عرض مشاكل البيوت ، و منها ما كان يحتوي على المشاكل الخاصة ، و منها ما كان يحتوي على المسائل الفقهية و العقدية ، و منها أيضا ما هو غريب جدا ، و الذي كان يجعل من قارئه الذهول و الحيرة عند قرائته للسؤال ، و قد جمع الشيخ بعض منها في مصنف خاص أطلق عليه " من غريب ما سألوني " ، و أما باقي الفتاوى فقد أصدرها في كتب و مصنفات أخرى ، تحت سلسلة أجزاء " سألوني " .

 

 

 

 

     وكان الشيخ عبد الله النوري يقضي وقته أيضا في المجالس العلمية و اجتماعات لجنة الافتاء ، للرد على الفتاوى ، و كان لأهله و اولاده النصيب الأكبر من الوقت و الرعاية و الاهتمام .

 

     ولم يكن الشيخ عبدالله النوري يسير خلف دعوة تخالف الكتاب و السنة ومنهج السلف الصالح ، فهو سلفي العقيدة ، و هو شيخ مجتهد قد يصيب و يخطيء ، و لم يتبع بدعوته احدى الدعوات الموجودة في ساحتنا اليوم لسبب رئيسي واضح و هو ان نشاطه الدعوي كان في فترة الأربعينات و الخمسينات والستينات ، و هو زمن كانت الكويت خالية من التوجهات الفكرية و الحركات الدعوية ، و قد كان من أهم ما يميز دعوته هو نشر العلم و تنوير الناس و محاربة الخرافات و البدع ، و اعتقاده بأن التربية و الخلق من أهم ما يقوم عليه المجتمع المسلم ، و قد عاش حياته على هذا المنهج و الاسلوب حتى وفاته في ذلك اليوم الذي كان في يوم السبت " ربيع الأول لسنة 1401 للهجرة " الموافق 17 يناير لسنة 1981 للميلاد ، و الذي فقد العالم الإسلامي بعد ذلك شيخا و عالما جليلا سخر حياته لنشر العلم و الخير ، و قد انتقل الى جوار ربه بعد أن داهمه مرض السرطان الذي أصاب احدى كليتيه ، و ظل معه لفترة أربعة أشهر تقريبا ، و قد رثاه العالم الاسلامي و رثته الامة و حزنت عليه الكويت ، و فقدت من بعد ذلك اليوم علما من أعلام الدعاة الذي لهم باع كبير في الفتوى و نشر العلم في الكويت ، و هو أحد أعلام الفقه الحنبلي ، و هو من خيار العلماء الذين ساروا في حياتهم على منهج السلف الصالح في العبادة و المعاش .

 

  و الحمد لله رب العالمين .............   

 

 

 

 

 

الكاتب / بشار محمد خليفوة  

basharkhalefo@hotmail.com

 

 

مواضيع سابقة :

 

مايو

يونيو

يوليو

أغسطس

اكتوبر

نوفمبر

يناير

 

 أطبع هذه الصفحة

 
 

جميع حقوق الكتاب محفوظة لموقع al-soor.com

Powered By: MadeInKwt.com